حظر الهواتف الذكية وفرض الرقابة وإدارة شؤون الطلاق، كيف تحكم طالبان أفغانستان؟

    • Author, قاوون خاموش
    • Role, خدمة بي بي سي العالمية- شبريغان، كابول، قندهار
  • Published
  • مدة القراءة: 8 دقائق

كان حاكم مقاطعة جوزجان، عبدالله سرهدي، يعطي مبلغاً مالياً لمعالجة ذراع فتى مكسورة، ويقدم تمويلاً لمسجد محلي، إلى أن دار داخل مكتبه في شمال أفغانستان حوار مذهل.

استمع القائد السابق في طالبان، ذو اللحية الرمادية، إلى شابة تريد الطلاق من زوجها، الذي تتهمه بإساءة معاملتها وضربها على مدى أشهر.

والسيدة، لن تقبل الرفض بـ"لا" جواباً.

تعرض الشابة البالغة من العمر 18 عاماً قضيتها بهدوء وثقة، في بلد تُمنع فيه الفتيات من التعليم الثانوي، وهي تخفي وجهها بالكامل خلف نقاب يغطي الوجه، وترتدي نظارات شمسية.

وتقول: "لو كانت هناك أي فرصة للعيش سوياً، لما كنت هنا... لقد اتخذت قراري".

بعد أن حاول إقناعها بتجنب الطلاق، علّق الحاكم لاحقاً بالقول إنّ النساء "عديمات التفكير" و"ناقصات عقل"، فضحك المسؤولون الذكور والحراس والشيوخ المحيطون به.

وتعطي هذه اللحظة لمحة نادرة عن الواقع اليومي لحكم حركة طالبان، بعد خمس سنوات من إطاحتها بالحكومة المدعومة من الولايات المتحدة في 2021.

في هذه الفترة، استُبعدت النساء من معظم أماكن العمل، وحُظر عليهن الالتحاق بالجامعات، والسفر بمفردهن أو زيارة المتنزهات ومراكز الترفيه.

وخلال لقاءات امتدت على مدى عامين، حصلت بي بي سي على إمكانية وصول استثنائية إلى شخصيات نافذة في هذه الحركة الإسلامية المتشددة، وقضى فريقها وقتاً مع رجال سبق أن خططوا لهجمات انتحارية أو أمضوا سنوات في مخابئ سرية، لكنهم اليوم جنود أو يعملون في مناصب رسمية.

وحين وصلت طالبان إلى السلطة، قالت إنها تغيّرت، لكن كثيراً من سياساتها تتطابق مع التفسير المتشدد للشريعة الإسلامية الذي فرضته الحركة في تسعينيات القرن الماضي.

وبدا الرجال الذين التقينا بهم راغبين في تقديم أنفسهم على أنهم عقلانيون، إلا أنهم لم يبدوا رغبة في الحديث عن ماضيهم العنيف،

كما شاهدنا لحظات من التوتر بين الحكام والأشخاص الخاضعين لحكمهم.

يقول سرهدي، إنه ينبغي على توبة (اسم مستعار)، أن تبقى متزوجة، ويتوجه إليها قائلاً "اسألي نفسكِ: من سيتزوجني بعد أن أحصل على الطلاق؟"، ويُكمل: "سيتعين عليكِ تقديم الكثير من التنازلات، وإلا ستفقدين كرامتكِ وشرفكِ".

ترد توبة -بينما يستمع زوجها وينتظر دوره في الكلام- بالقول: "سعادة الحاكم، لقد ضاع شرفي وكرامتي بالفعل".

وبموجب الشريعة، قد تُضطر المرأة التي تطلب موافقة زوجها على الطلاق إلى إعادة جزء من المال الذي دفعه لها عند الزواج أو كاملِه، وغالباً ما يتم الاتفاق على تسوية مالية، لكن زوج هذه المرأة يقول إنه يريد مبلغاً يعادل القيمة بأربعة أضعاف ذلك، وهو ما ترفض أسرتها دفعه.

ويقول الحاكم إنه يجب منح المرأة غرفة خاصة بها. ويضيف أن المسؤولين سيوجهون إليه تحذيراً بعدم ضربها، "وإلا سيُسجن".

ويعبّر والد توبة لبي بي سي عن عدم رضاه قائلاً إنّ الأسرة ستتابع الطلاق من خلال المحاكم، رغم صعوبة حصول المرأة على الطلاق دون موافقة زوجها في ظلّ نظام المحكمة الذي تطبقه طالبان.

وكان سرهدي قائداً عسكرياً خلال فترة حكم طالبان الأولى في تسعينيات القرن الماضي، ومن بين آلاف المتمردين الذين استسلموا في أواخر عام 2001، عند الإطاحة بالحكم على يد تحالف عسكري بقيادة الولايات المتحدة.

واحتُجز سرهدي عدة سنوات في معتقل غوانتانامو الأمريكي، وأُفرج عنه في نهاية المطاف.

عندما استعادت طالبان السلطة، أصبح حاكماً لولاية باميان، وحين التقينا به في أواخر يونيو/حزيران، كان قد عيّن حاكماً لمدينة شبرغان في ولاية جوزجان، ومؤخراً تسلّم منصب نائب قائد أحد الفيالق العسكرية في ولاية قندوز الشمالية.

وبينما كان يضغط بأصابعه على هاتف محمول قديم الطراز بشاشة صغيرة، قال إن الحظر الذي فُرض مؤخراً على استخدام الهواتف الذكية من قبل المسؤولين أدى إلى إبطاء وتيرة العمل، وأضاف: "في السابق، كان بإمكانك إرسال رسالة سريعة... وإرسال وثائق والحصول على رد سريع".

وأضاف أنه إذا قال المزيد عن هذا الحظر، "سيتسبب في إثارة المشكلات".

لكن في جوانب أخرى، يبدو أن نظرته إلى العالم لم تتغير كثيراً عن موقف طالبان الذي عُرف منذ 25 عاماً، حين كان في ذلك الوقت قائداً عسكرياً في باميان، عندما فجّرت طالبان تماثيل بوذا العملاقة الأثرية، ما أثار صدمة وإدانات على المستوى الدولي.

في البداية، حاول التهرب من أسئلتنا عن الموقع الأثري، لكنه قال في نهاية المطاف: "لقد دمرته بيديّ".

"كل ما فعلناه وما نفعله يتوافق مع التوجيهات ومع شريعة الله. نحن نحطّم الأصنام بدلاً من بيعها. فلماذا أشعر بالندم؟ لقد كانت مشيئة الله".

وفي العاصمة كابول، نلتقي شخصية أخرى بارزة في طالبان استبدلت ماضيها العنيف بمنصب في الإدارة الحاكمة، حبيب الله بدر، يقود بنا عبر الشوارع في سيارة مصفحة.

أشار إلى أنه كان في السابق "مسؤولاً عن عمليات المهاجمين الانتحاريين" في كابول.

يقول بدر: "أعرف جميع الطرق والشوارع جيداً... كنا نملك كل المعلومات التي نحتاجها عن كابول وأزقتها... كانت هناك مناطق احتاجت إلى وقت طويل للتخطيط".

وأدت هجمات طالبان الانتحارية إلى مقتل آلاف الأشخاص في أفغانستان، بينهم كثير من المدنيين.

لكنّ بدر يتوخى الحذر في الحديث عن ماضيه، خشية أن "يُغضب ذلك الناس" وأن "يعيد فتح الجراح".

وعند سؤاله عن مقتل المدنيين، يقول إن طالبان كانت تستهدف قوافل أمريكية، وإن المدنيين كانوا يُوَّجَهون بالابتعاد عن القواعد الأجنبية.

وكان بدر يتهرّب من الإجابة كلما حاولتُ سؤاله عن هجمات محددة وقعت في مناطق مدنية.

ويتفرغ بدر حالياً لتلقي العلاج الطبي بعيداً عن المناصب الرسمية، لكنه شغل سابقاً منصب نائب رئيس إدارة السجون على مستوى أفغانستان، كما تولى إدارة السجن ذاته الذي كان محتجزاً فيه خلال عهد الحكومة السابقة، حيث كان ينتظر تنفيذ حكم الإعدام بحقه.

ويدعونا إلى مرافقته لحضور تجمّع قبلي، حيث سيكرّمه رئيس مؤسسة خيرية بمنحه وساماً، لكن الأمور تأخذ منحى غير متوقع.

يقول سلطان محمد طلائي: "إنّ السيّد بدر مصدر فخر لأفغانستان ومقاتل عظيم".

ويضيف: "لكن لديّ أيضاً شكوى. لو فُتحت المدارس وأُتيح التعليم للجميع، لكان ذلك إنجازاً عظيماً لأفغانستان. وآمل ألا يزعجك ذلك".

ساد بعد ذلك صمت حرج، ولم يدرك الحاضرون كيف سيتفاعلون، وسرعان ما أُبعد الميكروفون من يد طلائي.

قال لاحقاً لبي بي سي: "طالبت بإعادة فتح مدارس البنات... فطلب العلم فريضة على الرجال والنساء على حد سواء في الإسلام".

وأضاف: "كانت هناك أمور أخرى أردت قولها، لكنهم لم يسمحوا لي بالتحدث أكثر".

وغالباً ما يواجه الذين يعبّرون عن آرائهم عواقب أشد بكثير.

كما أخبرتنا نساء عن اليأس البالغ الذي شعرن به بسبب الأحلام التي ضاعت جراء القيود المفروضة على التعليم، وعن صديقات لهن سُجنّ بسبب المشاركة في احتجاجات.

وتحدث معظم الصحفيين الذين التقينا بهم عن استدعائهم أو خضعوهم للاستجواب من قبل جهاز المخابرات التابع لطالبان، المعروف محلياً باسم "استخبارات".

وعرضت بي بي سي بعض هذه المخاوف على المتحدث باسم حكومة طالبان، المعروف باسم ذبيح الله مجاهد.

ويُعد المتحدث باسم الحكومة، أحد الوجوه العامة لحكومة طالبان منذ عام 2021، وما زال يستخدم الاسم الحركي الذي عُرف به لسنوات خلال فترة التمرد، لكنه أخبرنا أنّ اسمه الحقيقي هو طاهر شاه صديقي، كاشفاً عنه علناً للمرة الأولى.

وفي مركز صحفي فخم موّلته الولايات المتحدة لصالح الحكومة السابقة، نسأله عن أول مؤتمر صحفي عقده هناك، بعد يومين على فرض طالبان السيطرة على البلاد.

توجّه حينها للعالم قائلاً إنّ حكومة طالبان ستسمح للمرأة بالعمل والدراسة "ضمن إطار قواعدنا"، وستكون المرأة "فاعلة جداً" في المجتمع، فلماذا فشلوا في الوفاء بوعهدهم؟

يجيب قائلاً: "نحن ملتزمون بحقوق المرأة وحرية التعبير وأمور أخرى في إطار الشريعة... ينبغي أن ننظر إلى كل شيء من خلال عدسة الشريعة".

ويضيف أن السماح للنساء بالعمل في مكاتب مثل مكتبه "سيؤدي إلى مفاسد" وأن "كرامتهن ستُنتقص".

ويقول إنّ قضية تعليم النساء "ما زالت قيد النقاش... ونحن بحاجة إلى حل قائم على الشريعة".

وعند سؤاله عن حملة طالبان على حرية الإعلام، قال: "في مجتمع مثل أفغانستان، لدينا قيودنا الخاصة. لا يمكننا السماح لوسائل الإعلام بنشر أي دعاية تريدها... ولا يمكنها بثّ ما يتعارض مع القوانين والشعائر الإسلامية".

يقع مقرّ حكومة طالبان في كابول، لكن مجاهد يمضي الكثير من وقته في مدينة قندهار الجنوبية، معقل طالبان، التي بات البعض يعدّها العاصمة الفعلية للبلاد.

طلبنا لقاء الزعيم الأعلى لطالبان، هبة الله أخوند زاده، المقيم هناك، والذي نادراً ما يظهر علناً ولم يُجرِ أي مقابلة إعلامية من قبل. لكن قيل لنا إن ذلك غير ممكن في الوقت الراهن.

في قندهار، فُرضت قيود أشد من تلك التي كانت خلال زيارتي الأخيرة قبل عامين، فعلى الرجال إطلاق اللحى، ويحظر على محطات الإذاعة بثّ الموسيقى أو أصوات النساء، ولم يُسمح لنا بالتصوير داخل المدينة.

وعلى بُعد ساعتين بالسيارة، وعلى طول طرق ترابية، أطلع بعض أكثر المقاتلين السابقين تفانياً في صفوف الجماعة بي بي سي على شبكة الكهوف السرية القديمة التابعة للمسلحين.

يرشدنا عابد لالاي، وهو مقاتل سابق يتولى الآن حراسة نقطة تفتيش ضمن قوة أمنية تابعة لوزارة الداخلية، إلى الفتحات التي كان يطلق النار منها، والأماكن التي كان يضع فيها مصحفه ويعلّق بنادق الكلاشنيكوف.

ويُطلعنا رئيسه، عبد الصمد، على مقبرة غير واضحة، قائلاً إنّ والده دُفن فيها بعد مقتله أثناء قتاله في صفوف طالبان.

وتُعد هذه المنطقة من بين الأشد حرماناً في بلد تقول الأمم المتحدة إنّ ثلاثة من كل أربعة أشخاص فيه، غير قادرين على تلبية احتياجاتهم الأساسية. ويقول عبد الصمد إنّ السكان المحليين في أمسّ الحاجة إلى المياه والطرق والعيادات الطبية.

يقول عبد الصمد: "لم ينسَنا المسؤولون في الإمارة (طالبان)". ويضيف أنّ القادة قد يكونون منشغلين بأولويات أخرى: "نحن متفائلون، وسوف يهتمون بنا في وقت ما".

وبعد خمس سنوات من بدء طالبان فترتها الثانية في الحكم، لا يزال الفقر والبطالة وعدم الاستقرار الاقتصادي من القضايا الملحة.

وقال مسؤولون في طالبان تحدثنا إليهم، إنهم يعملون على معالجة هذه المشكلات، لكننا التقينا بآخرين يرون أن الجماعة نفسها هي المشكلة الرئيسية التي تواجه البلاد.

وتقول هدى دون الكشف عن اسمها الحقيقي، وهي امرأة شاركت في الاحتجاجات عند عودة طالبان إلى السلطة: "أعجز عن التعبير كيف أنّ جماعة لا تملك فهماً للحياة أصبحت فجأة في سدة الحكم".

وتضيب لبي بي سي: "لا يمكن للنساء القبول بهذا الوضع".

"قد يفرضون مزيداً من القيود، لكن الحال لن يبقى على ما هو عليه إلى الأبد".

"أعتقد أن طالبان تخشى النساء المتعلمات، ولهذا تفرض قيوداً على النساء. تريد (طالبان) نساء غير متعلمات حتى لا يربّين رجالاً واعين، لأن ذلك سينهي طالبان".

تغطية إضافية من حفيظ الله معروف