You’re viewing a text-only version of this website that uses less data. View the main version of the website including all images and videos.
كيف تحولت رواية "مزرعة الحيوانات" إلى مرجع لفهم السلطة والاستبداد؟
- Author, وليد بدران
- Role, بي بي سي
- Published
- مدة القراءة: 7 دقائق
في 17 أغسطس/آب من عام 1945، صدرت الطبعة الأولى من رواية مزرعة الحيوانات للكاتب البريطاني جورج أورويل، لتصبح واحدة من أشهر الروايات السياسية في القرن العشرين وأكثرها قدرة على تحويل التاريخ والسياسة إلى حكاية بسيطة تبدو في ظاهرها موجهة إلى الجميع، لكنها تخفي وراء شخصياتها الحيوانية نقداً حاداً للسلطة والاستبداد والثورات التي تنقلب على مبادئها.
وتقدم الرواية حكاية مجموعة من الحيوانات تثور على صاحب المزرعة، بعدما عانت من الاستغلال والجوع والعمل الشاق، وتطرده من المكان لتؤسس مجتمعاً جديداً يقوم على المساواة، لكن الحلم لا يستمر طويلاً، فسرعان ما تستولي الخنازير، الأكثر ذكاءً والأكثر رغبة في السلطة، على قيادة المزرعة، وتبدأ تدريجياً في تغيير القواعد التي قامت عليها الثورة.
ومن شعار يقوم على أن جميع الحيوانات متساوية، تصل المزرعة في النهاية إلى واقع جديد تصبح فيه بعض الحيوانات محظية أكثر من غيرها، وهكذا، لا تكتفي الثورة بالفشل في تحقيق وعودها، بل تنتهي إلى إنتاج نظام أكثر قسوة من النظام الذي أطاحت به.
من مزرعة مانور إلى مزرعة الحيوانات
تدور أحداث الرواية في مزرعة مانور، حيث تعاني الحيوانات من إهمال صاحبها، السيد جونز. وفي إحدى الليالي، يجمعها الخنزير ميجور العجوز ليدعوها إلى الثورة على البشر وبناء عالم تعيش فيه حرة ومتساوية. وبعد موته، تتحول أفكاره إلى منظومة تعرف باسم "الحيوانية"، تتولى تطويرها ثلاثة خنازير هي سنوبول ونابليون وسكويلر.
وبعد أشهر، يدفع الجوع والإهمال الحيوانات إلى التمرد، فتطرد جونز وعماله وتغير اسم المكان إلى "مزرعة الحيوانات". وفي البداية، يبدو أن الثورة تحقق وعودها، إذ تدير الحيوانات المزرعة بنفسها وتضع سبع وصايا تقوم على المساواة ورفض سيطرة البشر. لكن الخنازير تبدأ سريعاً في الحصول على امتيازات خاصة، فيما يتولى سكويلر تبريرها والتحذير من أن الاعتراض قد يؤدي إلى عودة جونز.
وبعد نجاح الحيوانات في صد محاولة جونز استعادة المزرعة، يشتد الصراع بين سنوبول ونابليون على قيادتها، وينتهي بطرد سنوبول بواسطة كلاب ربّاها نابليون سراً. ومنذ ذلك الحين، يحتكر نابليون السلطة، ويلغي النقاشات، فيما يتحول سنوبول إلى عدو غائب تنسب إليه الأزمات والإخفاقات.
ومع ترسخ حكم نابليون، تبدأ مبادئ الثورة في التآكل. تتاجر الخنازير مع البشر، وتنتقل إلى منزل جونز، وتشرب الكحول، فيما تعدّل الوصايا تدريجياً لتبرير ممارساتها الجديدة.
وفي المقابل، تزداد معاناة بقية الحيوانات، ويظل الحصان بوكسر يعمل بإخلاص حتى تنهار صحته، فتتخلى عنه الخنازير عندما يفقد قدرته على العمل.
ومع مرور السنوات، تصبح الخنازير أكثر شبهاً بالبشر الذين ثارت عليهم الحيوانات، حتى تبدأ في المشي على قدمين وتتبنى أسلوب حياتهم وامتيازاتهم. وفي المشهد الأخير، ترى الحيوانات الخنازير والبشر يجلسون معاً حول طاولة واحدة، فلا تعود قادرة على التمييز بينهم، فيما تستعيد المزرعة اسمها القديم: "مزرعة مانور".
أورويل.. من الاستعمار إلى الثورة الإسبانية
لم تكن "مزرعة الحيوانات" حكاية خيالية منفصلة عن التاريخ، بل تشكلت أفكارها عبر تجارب سياسية وشخصية عاشها جورج أورويل قبل سنوات من كتابتها.
ولد أورويل في الهند عام 1903 لأسرة بريطانية، وعمل بعد تعليمه في إنجلترا ضمن الشرطة الإمبراطورية في بورما. وهناك بدأ يدرك التناقض بين موقعه داخل جهاز استعماري وتعاطفه مع السكان الخاضعين له، وهي تجربة أسهمت في ترسيخ موقفه المناهض للإمبريالية والاستبداد.
وعاد إلى إنجلترا عام 1927 واستقال من الشرطة، قبل أن يتجه إلى الأدب والصحافة ويعيش فترات بين الفقراء في لندن وباريس، مهتماً بقضايا الفقر والطبقات والعدالة الاجتماعية.
لكن الحرب الأهلية الإسبانية شكلت نقطة تحول حاسمة في رؤيته السياسية. فقد توجه إلى إسبانيا عام 1936 وقاتل إلى جانب الجمهوريين في صفوف ميليشيا مرتبطة بحزب العمال الماركسي الموحد "POUM"، وأصيب برصاصة في العنق خلال القتال.
وفي عام 1937، اضطر إلى مغادرة إسبانيا مع زوجته إيلين بعدما اشتد الصراع داخل المعسكر الجمهوري، وتعرض الحزب الذي قاتل في صفوفه للقمع على يد القوى الشيوعية الموالية لستالين. وشاهد أورويل كيف يمكن للصراع السياسي أن يقود إلى الاعتقالات والملاحقات وتزييف الحقائق.
وعززت تلك التجربة قناعته بأن الاستبداد لا يقتصر على الأنظمة الفاشية أو اليمينية، بل قد ينشأ أيضاً داخل حركات ترفع شعارات المساواة والعدالة، ثم تمارس القمع باسمها.
الثورة الروسية وظلال ستالين
لفهم الرموز في "مزرعة الحيوانات"، لا بد من العودة إلى الثورة الروسية عام 1917. ففي مارس/آذار، أطاحت الثورة بالحكم القيصري وأجبرت نيقولا الثاني على التنازل عن العرش، في ظل أزمات اقتصادية ونقص في الغذاء وخسائر الحرب العالمية الأولى. وفي وقت لاحق من العام نفسه، استولى البلاشفة بقيادة فلاديمير لينين على السلطة في ما عرف بثورة أكتوبر/تشرين الأول.
وبعد وفاة لينين عام 1924، دخل الحزب في صراع على السلطة برز فيه جوزيف ستالين وليون تروتسكي، قبل أن يتمكن ستالين من إقصاء منافسيه وترسيخ حكمه. ونفي تروتسكي لاحقاً من الاتحاد السوفيتي، ثم اغتيل في المكسيك عام 1940.
وخلال عهد ستالين، شهد الاتحاد السوفيتي سياسات اقتصادية قاسية ومجاعات واسعة واعتقالات وترحيلاً إلى معسكرات العمل، إلى جانب حملات التطهير والمحاكمات السياسية في ثلاثينيات القرن العشرين. وامتد الصراع الستاليني إلى الحرب الأهلية الإسبانية، حيث دعمت موسكو الجمهوريين، فيما تعرضت فصائل يسارية مناوئة للخط السوفيتي، بينها الحزب الذي قاتل أورويل في صفوفه، للقمع.
وتشكل هذه التحولات، من ثورة رفعت شعارات المساواة إلى نظام سلطوي شديد المركزية، الخلفية السياسية الأساسية التي استلهم منها أورويل "مزرعة الحيوانات".
لماذا كتب أورويل الرواية؟
لم يكن أورويل يهاجم الاشتراكية باعتبارها فكرة قائمة على المساواة بحد ذاتها، بل كان ينتقد تحولها إلى نظام شمولي، وتحول الثورة التي يُفترض أن تحرر الإنسان إلى وسيلة لإخضاعه.
وكان هدفه أن يدفع القارئ إلى رؤية النظام السوفيتي بصورة مختلفة، وأن يقدم هذه الفكرة في قصة بسيطة يسهل فهمها وترجمتها إلى لغات متعددة.
ولهذا جاءت الرواية في شكل حكاية رمزية، فكل شخصية تقريباً تحمل دلالة سياسية أو اجتماعية، وكل تحول في المزرعة يعكس مرحلة من مراحل الثورة الروسية وما أعقبها.
فسنوبول يمثل تروتسكي، ونابليون يمثل ستالين، وبوكسر يمثل الطبقة العاملة التي تواصل العمل والإيمان بالنظام، حتى عندما يصبح هذا النظام نفسه سبباً في استغلالها.
أما سكويلر، فيجسد آلة الدعاية القادرة على تحويل الهزيمة إلى انتصار، وتغيير الحقائق، وإقناع الناس بأن ما يرونه بأعينهم ليس الحقيقة.
وقد واجه أورويل صعوبة في نشر الرواية بعد أن انتهى منها عام 1944، إذ رفضتها عدة دور نشر.
وكانت بعض التحفظات مرتبطة بالظروف السياسية في ذلك الوقت، إذ كانت بريطانيا والاتحاد السوفيتي حليفين في مواجهة ألمانيا النازية، ولذلك لم يكن انتقاد النظام السوفيتي مقبولاً بسهولة لدى بعض المؤسسات الثقافية والسياسية.
وحتى الشاعر ت. س. إليوت، الذي كان أحد مديري دار فابر آند فابر، أبدى إعجابه بمهارة أورويل وجودة العمل، لكنه تحفظ على الطريقة التي تناول بها الرواية الوضع السياسي في ذلك الوقت.
وفي النهاية، صدرت الرواية عن دار سيكر آند واربورغ في 17 أغسطس/آب 1945، وحققت نجاحاً سريعاً، إذ نفدت طبعتها الأولى التي بلغت نحو 4500 نسخة. ثم صدرت الطبعة الأمريكية في العام التالي، واختير الكتاب ضمن نادي "كتاب الشهر"، ما أسهم في زيادة مبيعاته وانتشاره.
وكان ذلك أول نجاح تجاري كبير يجعل أورويل كاتباً ميسور الحال.
من الأدب إلى سلاح في الحرب الباردة
ولم تتوقف قصة "مزرعة الحيوانات" عند حدود الأدب، ففي خمسينيات القرن العشرين، استخدمت الرواية في سياق الحرب الباردة، وأنتجت عنها نسخة رسوم متحركة بتمويل من وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، بحسب دائرة المعارف البريطانية.
وشهد الفيلم تغييراً مهماً في النهاية مقارنة بالرواية، إذ ينتهي بانتصار الحيوانات على نابليون، في نهاية تختلف جذرياً عن رؤية أورويل الأصلية.
وهكذا، وجدت الرواية نفسها في قلب صراع سياسي جديد، وتحولت من نقد للاستبداد وانحراف الثورات إلى مادة يمكن توظيفها في الدعاية المناهضة للشيوعية.
ومع ذلك، بقيت قوة الرواية الأساسية في قدرتها على تجاوز اللحظة التاريخية التي كُتبت فيها، فهي لا تتحدث فقط عن الثورة الروسية أو ستالين، بل عن آليات أوسع يمكن من خلالها أن تنحرف الثورات، وأن تتحول الشعارات إلى أدوات للسيطرة، وأن يسهم الخوف والدعاية وإعادة كتابة التاريخ في ترسيخ السلطة.
الإرث
صدرت "مزرعة الحيوانات" مع اقتراب الحرب العالمية الثانية من نهايتها، وبعد أيام قليلة من القصف الذري لهيروشيما وناغازاكي. وبعد أقل من خمس سنوات على نشرها، توفي أورويل بمرض السل عام 1950.
وفي العام السابق لوفاته، كان قد نشر روايته الأخرى "1984"، التي واصل فيها نقد الشمولية ومراقبة السلطة وتحكمها في الحقيقة واللغة والذاكرة.
وبين الروايتين، ترك أورويل إرثاً أدبياً وسياسياً تجاوز الزمن الذي عاش فيه. فلم تعد "مزرعة الحيوانات" مجرد حكاية عن مجموعة من الحيوانات تطرد صاحب مزرعتها، بل أصبحت نموذجاً أدبياً لفهم كيف يمكن للسلطة أن تستولي على الثورة، وكيف يمكن للمبادئ أن تتآكل تدريجياً حتى لا يبقى منها سوى الشعار.
وربما تكمن قوة الرواية في أن هذا التحول لا يحدث دفعة واحدة. فالخنازير لا تعلن منذ البداية أنها تريد إقامة ديكتاتورية، ولا تستولي على كل الامتيازات في يوم واحد، بل يبدأ الأمر بتبرير صغير، ثم استثناء، ثم تعديل في قاعدة، ثم إعادة كتابة للتاريخ، إلى أن تكتشف الحيوانات أن العالم الذي ثارت من أجله لم يعد موجوداً.
وهنا تكمن المفارقة التي يتركها أورويل في ذهن القارئ: ثورة بدأت بوعد المساواة وانتهت إلى نظام جديد شديد الشبه بالنظام القديم، وربما أكثر قسوة منه.
أما أورويل نفسه، فكان يرى أن مهمة الكاتب تتجاوز رواية القصص إلى تحويل الأفكار السياسية إلى فن. وفي "مزرعة الحيوانات"، نجح في الجمع بين الأمرين، فكتب حكاية تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل سؤالاً لا يزال حاضراً: ماذا يحدث عندما تتحول الثورة من مشروع لتحرير الناس إلى مشروع للسيطرة عليهم؟