إنجاز أول عملية جراحية في العالم لاستئصال ورم بمساعدة مباشرة من الذكاء الاصطناعي

صورة تظهر ريس هيبرت من الرأس حتى الأكتاف، رجل أربعيني مبتسم، يرتدي سترة داكنة وقميص أزرق وخلفه أشجار
التعليق على الصورة، كان يمكن أن يؤدي الورم لدى ريس هيبرت إلى فقدان بصره
    • Author, سميثا مونداساد
    • Role, مراسل شؤون الصحة
  • Published
  • مدة القراءة: 4 دقائق

خضع أول مريض في العالم لجراحة دماغ بمساعدة مباشرة من الذكاء الاصطناعي، حيث نجحت في استئصال ورمه.

وكان من الممكن أن يفقد ريس هيبرت – أب لطفلين من بيدفوردشير – بصره لولا العملية، وفق ما أفاد الجراحون في مستشفى لندن الجامعي (يونيفرسيتي كولدج لندن).

وقامت أداة الذكاء الاصطناعي بتحليل بثّ فيديو للعملية أثناء إجرائها، وقدمت إرشادات للجراحين بشأن كيفية تجنب الأوعية الدموية والأعصاب الحيوية المخفية داخل الدماغ، الأمر الذي أتاح لهم استئصال أكبر قدر ممكن من الورم بأمان.

وقال هيبرت: "في ما يتعلق بسلامة المرضى، أستطيع أن أرى الفائدة بوضوح تام، إذ لا توجد إشارات مرور داخل رؤوسنا".

ومنذ 18 شهراً، كان هيبرت، البالغ من العمر 48 عاماً ويعمل مديراً لخدمات العملاء، يتمتع بلياقة وصحة جيدتين، وكان يخرج في نزهة سيراً مسافة ميلين في أوقات الغداء.

وفي واحدة من تلك النزهات، فقد وعيه وبدأ يتعرض لنوبات تشنج في الطريق.

كشف فحص للدماغ آنذاك، ورماً غير سرطاني بقطر 11 ملم، ينمو على الغدة النخامية، وهي عضو بحجم كرة زجاجية صغيرة تقع في قاعدة الجمجمة.

وتفرز هذه الغدة هرمونات حيوية تساعد في عمليات مثل النمو والتمثيل الغذائي (الأيض)، وتنظيم ضغط الدم ودرجة الحرارة.

والأهم أنّها قريبة جداً من الشرايين السباتية، وهي أوعية دموية حيوية تنقل الدم إلى الدماغ والأعصاب البصرية التي تتحكم في الرؤية.

وبعد أن بدأ ورم هيبرت بالضغط على أعصابه البصرية، تضاءلت قدرته على الرؤية المحيطية (الجانبية).

إرهاق شديد ودوار

تخطى البودكاست وواصل القراءة
يستحق الانتباه

شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك

الحلقات

البودكاست نهاية

ورغم عدم حاجته إلى جراحة فورية، بدأ هيبرت يتعثر بالأشياء وشعر بإرهاق شديد ودوار.

وقال هيبرت: "على مدى 18 عاماً من الحياة الزوجية، كنت أنهض من السرير دائماً، وأعد لزوجتي فنجاناً من القهوة، ولم أكن لأدع الورم أن يحول دون ذلك".

وأضاف قائلاً إنّ أكبر التأثيرات بالنسبة إليه كانت عاطفية ونفسية.

"رغم أنّ كثيرين عرضوا عليّ المساعدة بلطف، فأنت لا تريد أن تكون عبئاً على الآخرين".

وعندما عرض عليه الجراحون خيار أن يكون أول شخص يجرب العملية باستخدام أداتهم المخصصة للذكاء الاصطناعي، لم يتردد.

وقال: "إذا لم يكن المرضى مستعدين للمشاركة في الأبحاث، كيف سيتعلم الأطباء وكيف يمكن للطب أن يتطور؟".

وتضمنت الجراحة إدخال منظار داخلي، وهو كاميرا رفيعة مثبتة على عصا، عبر الأنف إلى قاعدة الجمجمة.

وفي هذه المرحلة كان الورم قريباً، لكنه كان مخفياً خلف طبقات من العظام وغشاء سميك.

ولم يكن من السهل تحديد المكان الأكثر أماناً لاستئصاله، لا سيما أن التشريح يختلف عادة من شخص إلى آخر.

وتتفاوت معدلات المضاعفات، لكن كان هناك احتمال يتراوح بين 25 و50 في المئة، لعدم إزالة الورم بالكامل، واحتمال إصابة وعاء دموي رئيسي بنسبة تترواح بين 0.5 و2 في المئة.

وهنا تدخل الذكاء الاصطناعي.

"شات جي بي تي" جراحي

على شاشة ثانية، قامت الأداة بتحليل بثّ الفيديو المباشر، وتتبع الأدوات الجراحية وتحديد المناطق التي يُرجّح وجود الأوعية الدموية والأعصاب فيها، مع إبراز المناطق الأكثر أماناً لاستئصال الورم.

تشبه الأداة تقنية التعرّف على الوجوه في الهواتف، لكنها تتعرف بدلاً من ذلك، على البنى التشريحية المهمة المخفية غالباً.

ويجري الجراح البريطاني هذه العمليات بمعدّل ما بين 10 و20 عملية سنوياً، معتمداً على الفحوصات التي تُجرى قبل الجراحة للتعرّف على البنية التشريحية الخاصة بالمريض.

وقام الباحثون بتدريب وتقييم نظام الذكاء الاصطناعي الخاص بهم على مئات المقاطع المصورة لعمليات استئصال أورام الغدة النخامية، ورسموا بعناية حدود الأوعية الدموية والأعصاب في كل مقطع لمساعدة النظام على جمع البيانات والبدء في "التعرّف" على أهم البنى.

وقال البروفيسور هاني ماركوس، المشارك في إجراء العملية: "جرى تدريبه (نظام الذكاء الاصطناعي) على عدد من العمليات يفوق ما يراه أو يجريه معظم الجراحين طوال حياتهم المهنية، ويمكنه أن يعمل كعين خبيرة ثانية".

وأضاف قائلاً إن هذه الأداة تعمل في الوقت الفعلي، بخلاف أدوات الذكاء الاصطناعي التجريبية الأخرى.

الطبيبان هاني ماركوس ودانيال خان يتعانقان ويقفان خارج مبنى المستشفى، أحدهما يرتدي سترة خضراء والآخر يرتدي قميصاً أبيض وربطة عنق زرقاء

صدر الصورة، UCH

التعليق على الصورة، الطبيبان هاني ماركوس ودانيال خان أجريا العملية الجراحية بمساعدة أداة الذكاء الاصطناعي

ويريد الفريق أن يوضح أن أداة الذكاء الاصطناعي تقدم المساعدة فقط، حيث يحتفظ الجراحون بكامل السيطرة.

وقال البروفيسور ماركوس إنّ طموحهم على المدى الطويل هو تطوير نوع من "شات جي بي تي" للجراحين، بحيث فيكون هناك "خبير آخر في الغرفة يمكنهم أن يطلبوا منه نصيحة إذا أرادوا ذلك، أو أن يتجاهلوه إذا اختلفوا معه".

وأمضى الفريق سنوات في تجربة واختبار تقنية الذكاء الاصطناعي في المختبر، بتمويل من المعهد الوطني لأبحاث الصحة والرعاية ومن شركة غوغل.

وأعرب أعضاء الفريق عن رضاهم عن سير الخطوات الأولى في الجراحة الواقعية، ويعملون حالياً على تجربة أوسع نطاقاً.

"أعادت لي حياتي"

وقال هيبرت: "عندما فتحت عيني بعد العملية شعرت وكأنني أصبحت أملك رؤية بزاوية 360 درجة. لم أكن قد رأيت بهذا الوضوح منذ عام".

وخلال الأسابيع الثمانية التي تلت الجراحة، لاحظ تحسناً في بصره كل بضعة أيام.

وقال: "لقد استعدت طاقتي أيضاً، واختفت جميع الآثار الجانبية التي كنت أعاني منها قبل الجراحة".

"لقد أعادت إليّ حياتي".

وقال جيمس فريث، وزير الابتكار الصحي، إنه سعيد لأن ريس خضع لـ"جراحة غيّرت حياته" في إطار أبحاث ممولة من الحكومة.

وأضاف قائلاً :"يحتاج الذكاء الاصطناعي إلى ضمانات مناسبة، وسنحرص دائماً على التعامل بجدية مع مسألة السلامة... لكننا سنحرص أيضاً على الاستفادة من الفرص التي يتيحها".