هل فقد الجيل زد حماسه للذكاء الاصطناعي؟

صدر الصورة، Getty Images
- Author, سمية نصر
- Role, بي بي سي نيوز عربي
- Published
- مدة القراءة: 7 دقائق
عندما تحتاج فريدة إلى المساعدة في واجباتها، تلجأ في بعض الأحيان إلى روبوت الدردشة الشهير "تشات جي بي تي". كما تطرح عليه أحياناً أسئلة متعلقة بالعناية بالبشرة أو مستحضرات التجميل، بل وتطلب منه النصح بشأن كيفية التصرف في مواقف تواجهها في حياتها اليومية.
لكن الطالبة المصرية البالغة من العمر 16 عاماً تقول إنها تحاول تقليل استخدامه: "أشعر بالقلق من استخدامه، ولا سيما فيما يتعلق بالابتكار، فالأشياء المولدة بالذكاء الاصطناعي ليس لها روح أو طابع، كما أن الأثر البيئي لاستخدامه مثير للقلق".
تتكرر هذه المخاوف لدى ليلى، وهي طالبة بريطانية عمرها 17 عاماً، التي قررت عدم استخدامه لأنها تخشى من استهلاكه الكبير للمياه والطاقة وأثره السلبي على الإبداع وفرص التوظيف.
تضيف ليلى: "أشعر أيضاً بالقلق لأنه أصبح من الصعب التفريق بين ما هو حقيقي وما هو مولد بالذكاء الاصطناعي، بين المحتوى الحقيقي والمحتوى الزائف الذي قد يؤدي في بعض الأحيان إلى الإضرار بسمعة أشخاص بسبب أقوال أو أفعال لم تصدر عنهم".
أفكار فريدة وليلى، اللتين تنتميان إلى ما يعرف بـ "الجيل زد" الذي يشمل من تتراوح أعمارهم بين 14 و29 عاماً، تطرح سؤالاً مثيراً للاهتمام: هل هذا الجيل المعروف بتبنيه للتكنولوجيا الرقمية وقضائه فترات طويلة على الإنترنت يفقد حماسه للذكاء الاصطناعي؟ أم أنه أصبح يطرح أسئلة أكثر جدية حول الدور الذي ينبغي أن يلعبه في تشكيل مستقبله؟
يقول 51 في المئة من أبناء الجيل زد في الولايات المتحدة إنهم يستخدمون الذكاء الاصطناعي على الأقل مرة واحدة في الأسبوع، ورغم ذلك فإن مشاعرهم السلبية إزاءه ازدادت حدة خلال العام المنقضي، وفق استطلاع نشرته مؤسسة غالوب في أبريل/نيسان الماضي.
الاستطلاع أشار إلى أن الجيل زد ليس مقتنعاً بأن الذكاء الاصطناعي يعزز الابتكار والتفكير النقدي، ويشعر بالقلق إزاء تأثيره على فرص العمل. كما تبين من خلال الاستطلاع أن نسبة من يستخدمون الذكاء الاصطناعي التوليدي في حياتهم اليومية من أبناء ذلك الجيل ظلت مستقرة منذ مارس/آذار 2025 ولم ترتفع.
وشهدت عدة حفلات تخرج أقامتها جامعات أمريكية هذا العام لحظات من التوتر عندما تطرق متحدثون إلى موضوع الذكاء الاصطناعي، ربما كان أبرزها صيحات الاستهجان التي تعرض لها إريك شميت، المدير التنفيذي السابق لغوغل، بينما كان يتحدث أمام دفعة الخريجين بجامعة أريزونا عن تلك التكنولوجيا ويقول إنها سوف "تشكل" عالمنا" ويحث الحضور على التكيف معها.
ويشير مقال نشرته منظمة الديمقراطية الدولية (Democracy International) على موقعها أواخر يونيو/حزيران الماضي إلى أنها رصدت من خلال برنامجها المخصص للشباب في أوروبا وجود مخاوف لدى أبناء الجيل زد، وخاصة فيما يتعلق بتأثيره على الإبداع والاستدامة البيئية والمهارات الإدراكية.
"لست مندهشة على الإطلاق، فهذا هو ما ألمسه من حديثي مع العديد من طلابي ومعارفي من الشباب"، هكذا أخبرتني البروفيسورة كلير واردل أستاذة الاتصالات بجامعة كورنيل الأمريكية التي تركز أبحاثها على المحتوى الذي ينتجه المستخدمون، والمعلومات المغلوطة.
الإبداع والتفكير النقدي ومحدودية الذكاء الاصطناعي
شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك
الحلقات
البودكاست نهاية
رغم أن فريدة تستخدم الذكاء الاصطناعي التوليدي لساعات طويلة في بعض الأحيان، إلا أنها تقول إنها لا تثق فيه دائماً، إذ تدرك أن إحدى مشكلاته هو ما بات يعرف بـ"الهلوسة"، أو إعطاء معلومات غير دقيقة أو مختلقة أو مضللة وتقديمها بكل ثقة على أنها حقائق ثابتة.
وقد شهدت الفترة الأخيرة زيادة كبيرة في المحتوى المنتج بالذكاء الاصطناعي على الإنترنت، والذي لا يكون دائماً من السهل معرفة أنه كذلك. ورغم أن ثمة اعتقاداً سائداً بأن الأجيال الشابة بإمكانها التمييز بين الغث والسمين نظراً لبراعتها في كل ما هو رقمي، تقول واردل إن "التحدي بالطبع هو أن المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي يتحسن طوال الوقت، وأن هناك جهات خبيثة تستهدف الأشخاص من خلال التركيز على نقاط ضعفهم".
وتتخطى مخاوف بعض أبناء الجيل زد مسألة دقة المحتوى الذي يقدمه الذكاء الاصطناعي، إذ يشعرون بالقلق بشأن ما قد يحدث لقدرات البشر على الإبداع ومهارات التفكير النقدي لديهم.
من الأسباب التي تقول ليلى إنها دفعتها إلى الابتعاد عن الذكاء الاصطناعي التوليدي أنها رأت أن زملاء لها في المدرسة "يعتمدون عليه تماماً لإنجاز واجباتهم، وهو ما قد يؤدي إلى تراجع مستواهم العلمي وعدم قدرتهم على اجتياز امتحاناتهم".
تتحدث ليلى عما بات يشار إليه بمصطلح cognitive outsourcing، "التفويض المعرفي"، أو بعبارة أخرى الاستعانة بمصادر خارجية – في هذه الحالة الذكاء الاصطناعي – للتفكير نيابة عنا، وهو ما يخشى كثير من الخبراء أن يؤدي إلى الكسل الذهني وتراجع قدرات التفكير النقدي لدى البشر، ولا سيما إذا اعتمد عليه الطلاب بشكل مفرط.

صدر الصورة، Getty Images
التأثير على فرص العمل
لا تقتصر مخاوف الشباب بشأن الذكاء الاصطناعي على الحاضر، بل تمتد كذلك إلى ما قد يؤدي إليه من تغييرات في المستقبل، ولا سيما فيما يتعلق بفرص العمل.
ليلى، التي تصف نفسها بأنها فنانة ناشئة، تهوى رسم الأشخاص والشخصيات الكرتونية منذ صغرها، تقول إن الذكاء الاصطناعي سيجعل من الصعب على الفنانين بيع أعمالهم.
"من الظلم أن تجد أشخاصاً يجنون عائداً مادياً من استخدام الذكاء الاصطناعي في توليد أعمال فنية، وهو ما يجعل من الصعب على الرسامين الحصول على بيع لوحاتهم التي يتطلب إنجازها الكثير من الوقت والجهد والمهارة".
حتى الآن، تأثير الذكاء الاصطناعي على التوظيف يبدو معقداً إلى حد ما.
يقول البروفيسور كارل بنيديكت فراي، أستاذ الذكاء الاصطناعي والعمل بمعهد الإنترنت التابع لجامعة أوكسفورد، والذي تركز أبحاثه على الأتمتة ومستقبل العمل، إنه حتى وقتنا هذا، لم نر تأثيراً دراماتيكياً للذكاء الاصطناعي على سوق العمل، باستثناء بعض المجالات مثل خدمات الترجمة، "لكن هذا لا يعني أنه لا داعي لشعور الشباب بالقلق".
وفي حين يُتوقع أن يحل الذكاء الاصطناعي محل البشر في كثير من الوظائف، فإنه يُتوقع أيضاً أن يخلق أدواراً وصناعات جديدة. يقول فراي إن "بعض الشباب سيستفيدون، بل إنهم يستفيدون حالياً بالفعل، من هذه الفرص. لكن غالبيتهم لن تتحقق لهم الفائدة. فالقطاعات الجديدة تستغرق أعواماً لكي تظهر وتتوسع، والوظائف المتأثرة عادةً ما تختفي بسرعة أكبر من سرعة وصول وظائف جديدة".
المخاوف من إحلال الآلة محل البشر ليست بالجديدة، فهي تعود إلى بداية الثورة الصناعية في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، وقد تكررت خلال موجات الأتمتة اللاحقة. لكن البروفيسور فراي يرى أن ثورة الذكاء الاصطناعي تختلف عن سابقاتها: " في الماضي، كانت النصيحة دائماً الحصول على المزيد من التعليم. خلال الثورة الصناعية الثانية، هؤلاء الذين التحقوا بالمدارس العليا أصبحوا في القمة. وخلال ثورة الكمبيوتر، الالتحاق بالجامعة كان نصيحة سديدة. لكن حالياً، العائد المادي من التعليم العالي يتراجع، بينما تواصل مصروفاته في الارتفاع، وقد يزيد الذكاء الاصطناعي من صعوبة أوضاع الخريجين. حالة عدم اليقين هذه بشأن ما ينبغي فعله تعد بكل تأكيد شيئاً جديداً".

صدر الصورة، Getty Images
مخاوف بيئية
البصمة البيئية لاستخدام الذكاء الاصطناعي من المخاوف التي حدثتني عنها كل من ليلى وفريدة. كغيرهما من الشباب الصغار الذين نشأوا في فترة تعَد الآثار الضارة للتغير المناخي واحدة من أبرز قضاياها، تتساءل الشابتان عما إذا كانت فوائد الذكاء الاصطناعي تبرر الكلفة البيئية الباهظة لتلك التكنولوجيا. فالذكاء الاصطناعي التوليدي يتطلب قدرات حوسبة هائلة، وهو ما يؤدي إلى استهلاك مراكز بياناته لكميات كبيرة من الطاقة، وأيضاً من المياه اللازمة للتبريد، وهو ما تخشى فريدة أن "يؤدي إلى تناقص موارد الأرض من المياه النظيفة".
ونبه تحقيق أجراه مركز المياه والبيئة والصحة التابع لجامعة الأمم المتحدة ونشر نتائجه في يونيو/حزيران الماضي إلى أنه بحلول عام 2030، سوف يعادل ستهلاك الذكاء الاصطناعي للمياه احتياجات 1.3 مليار شخص، فيما سيصل استهلاكه من الطاقة إلى ثلاثة أمثال ما يستهلكه 650 مليون شخص.
يقول البروفيسور نيل سِلوين الأستاذ بكلية الإعلام بجامعة موناش الأسترالية، والباحث البارز في مجال التعليم الرقمي وتأثير الإعلام الرقمي على المجتمع والأثر البيئي للتكنولوجيا الرقمية، لبي بي سي نيوز عربي إن "الكثير من الشباب يشعرون بالقلق إزاء الأضرار البيئية لهذه التقنية"، لا سيما وإننا نعيش الآن "في عصر يشهد انقطاعات في إمدادات الطاقة".
يضيف سِلوين، الذي شارك في تنفيذ العديد من المشاريع الهادفة إلى تشجيع الشباب على التفاعل مع قضية الذكاء الاصطناعي والبيئة، أن غالبيتهم يتفقون على أنها قضية بالغة الأهمية، "لكنهم لا يرون وسيلة حقيقية لإحداث تغيير. فهم يشعرون أنهم عالقون في واقع يفرض عليهم امتلاك هاتف ذكي واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي وأدوات الذكاء الاصطناعي باعتبارها ضرورية للتكيف مع متطلبات الحياة الحديثة...لذلك ينبغي بلا شك مواصلة جهود التوعية، لكن علينا أيضاً ممارسة المزيد من الضغط على شركات التكنولوجيا الكبرى والحكومات لإحداث تغيير على مستوى المجتمع ككل".
"مكمل وليس بديلاً"
رغم كل المخاوف ومشاعر القلق التي يثيرها الذكاء الاصطناعي، فإن أياً من الخبراء الذين تحدثت معهم لم يقترح رفض هذه التكنولوجيا بشكل قاطع، إذ يرون أنها أداة سيعتمد تأثيرها على كيفية استخدام الناس لها.
ينصح البروفيسور فراي الشباب باستخدام الذكاء الاصطناعي "لاختبار معرفتكم، وبوصفه مستشاراً، لكن لا تستخدموه لاختصار الطريق – كأن تجعلوه يكتب واجباتكم نيابة عنكم، على سبيل المثال".
ويرى البروفيسور سِلوين أن الذكاء الاصطناعي له مكان في مجال التعليم، "لكننا بحاجة إلى التمهل ريثما نحدد ما هو الأفضل لطلابنا ومعلمينا ومدارسنا..الذكاء الاصطناعي ينبغي أن يكون إضافة لمدارسنا وجامعاتنا، ليس بديلاً للأشياء ولكن مكملاً لها". ويشدد سِلوين على أهمية أن تساعد المدارس الشباب على التفكير النقدي في التكنولوجيا، وتشجعهم على طرح أسئلة مثل: " كيف يمكنهم مقاومة التقنيات التي لا تصب في مصلحتهم أو إيجاد سبل للالتفاف عليها؟ وما البدائل لشركات التكنولوجيا الكبرى؟ وما أسباب رفض بعض تطبيقات الذكاء الاصطناعي أو معارضة إنشاء مراكز البيانات؟ وما هي التكلفة البيئية لاستخدام التقنيات الرقمية؟"
أما البروفيسورة واردل فتقول إن مساعدة الشباب على التكيف مع عالم تلعب فيه تقنيات الذكاء الاصطناعي دوراً بارزاً ستتطلب قدراً أكبر من الشفافية من شركات التكنولوجيا، فضلاً عن تشريعات وقواعد أكثر صرامة.
لكنها تلفت إلى أن ذلك وحده لن يكفي، إذ ثمة حاجة إلى "مستوى أفضل من الثقافة الرقمية..ثقافة رقمية تمتد من الطفولة إلى الشيخوخة وتشمل جميع الأجيال. نحتاج إلى أن يفهم الناس ما الذي قد نخسره إذا أوكلنا مهمة التفكير إلى الذكاء الاصطناعي، وما الذي يعنيه ذلك فيما يتعلق بحقوق النشر، وسائر القضايا التي تقلق الشباب".
ربما لن يكون التحدي الأكبر الذي سيواجهه الجيل زد الذي نشأ في عصر الذكاء الاصطناعي هو إتقان استخدام هذه التكنولوجيا، بل معرفة متى ينبغي عدم استخدامها.





























