قاعدة أبو الظهور الجوية: لماذا أثار استهداف إسرائيل لقاعدة جوية سورية التوترات مع تركيا؟

Published
مدة القراءة: 6 دقائق

أثارت غارات إسرائيلية استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية قرب حلب، الثلاثاء، مواجهة سياسية جديدة بين إسرائيل وتركيا، بعدما بررت حكومة بنيامين نتنياهو الهجوم باحتمال نشر قوات تركية في القاعدة، وهو ما وصفته أنقرة بأنه "ادعاءات لا يمكن الدفاع عنها" تهدف إلى شرعنة انتهاك سيادة سوريا.

وفي انتقاد نادر لإسرائيل، اعتبرت واشنطن الضربات "تصعيداً غير ضروري"، وكشفت عن مساعٍ لإنشاء آلية تمنع الاحتكاك العسكري بين إسرائيل وتركيا وسوريا.

ماذا استهدفت الغارات؟

قالت قناة الإخبارية السورية الرسمية، نقلاً عن مصدر عسكري، إن إسرائيل نفّذت الثلاثاء ثماني غارات استهدفت مدرج قاعدة أبو الظهور الجوية ومنشآت التخزين فيها.

ولم تسفر الغارات عن خسائر بشرية، بحسب مصدر عسكري آخر ومدني يقيم بالقرب من الموقع، فيما امتنع الجيش الإسرائيلي عن التعليق.

وتقع القاعدة في شمال غرب سوريا، على بعد نحو 70 كيلومتراً إلى الشرق من الحدود التركية. وخرجت من الخدمة بوصفها مطاراً عسكرياً مخصصاً منذ عام 2013، بعدما تبدلت السيطرة عليها مرات عدة خلال الحرب السورية التي استمرت 14 عاماً.

ونقلت وكالة فرانس برس عن مصدر أمني أن القاعدة كانت خارج الخدمة منذ عام 2012 وتخضع لحماية وزارة الدفاع السورية. وقال المرصد السوري لحقوق الإنسان إن الغارات جاءت عقب زيارة وفد عسكري تركي للموقع خلال الأيام السابقة، في إطار جهود لإعادة تشغيله.

ويبدو أن الهجوم هو الأول الذي يستهدف منشآت حكومية سورية منذ مارس/آذار، كما وقع بعيداً عن المنطقة التي تقول إسرائيل إنها تحتفظ بها نطاقاً أمنياً في جنوب سوريا.

إسرائيل تربط الهجوم باحتمال انتشار تركي

بعد يوم من الصمت الرسمي، قال مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن سوريا كانت على وشك الإخلال بـ"وضع قائم متفق عليه مع إسرائيل في المسائل الأمنية"، من خلال السماح لقوات تركية بالانتشار في القاعدة.

وأضاف المكتب أن إسرائيل حذّرت دمشق مراراً من أن انتشاراً كهذا سيهدد أمنها، لكنها تجاهلت تلك التحذيرات، مؤكداً أن إسرائيل "لن تتسامح مع تهديدات لأمنها"، لكنها ترحّب بالعودة إلى الوضع السابق.

ولم يقرّ البيان صراحةً بمسؤولية إسرائيل عن الغارات، بينما لم تؤكد تركيا وجود قوات لها في القاعدة أو خطط لنشرها هناك.

وقال المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا والعراق توم براك إن الهجوم عكس تصوراً إسرائيلياً، "سواء كان دقيقاً أو خاطئاً"، بأن تركيا قد تزيد وجودها في أبو الظهور خلال الفترة المقبلة.

وتأتي التصريحات الإسرائيلية رغم أن المحادثات الأمنية بين سوريا وإسرائيل لم تسفر حتى الآن عن اتفاق. وقال الرئيس السوري أحمد الشرع في يوليو/تموز إن بلاده تسعى إلى التوصل إلى اتفاق أمني مع إسرائيل، فيما أكد براك أن الجانبين أجريا جولات عدة من المحادثات بشأن خفض التصعيد والحدود من دون التوصل إلى تفاهم نهائي.

تركيا تتهم إسرائيل بمحاولة زعزعة استقرار سوريا

رفضت الرئاسة التركية، الأربعاء، ما وصفته بـ"الادعاءات التي لا يمكن الدفاع عنها" الصادرة عن مكتب نتنياهو، وقالت إنها تهدف إلى إضفاء الشرعية على غارات غير قانونية تستهدف سيادة سوريا ووحدة أراضيها.

وأضافت أن هذه الاتهامات تنبع من رغبة نتنياهو في مواصلة "سياسات توسعية ومزعزِعة للاستقرار" قبيل الانتخابات الإسرائيلية، معتبرة أن السلام الدائم في المنطقة يتطلب من إسرائيل احترام القانون الدولي والتخلي عن "سياساتها العدوانية والقسرية".

ولم يتناول بيان الرئاسة التركية صراحةً احتمال نشر قوات في القاعدة، لكنه شدد على أن أنقرة ستواصل التعاون مع الحكومة السورية "على أساس شرعي" من أجل إحلال السلام والاستقرار وتحقيق الازدهار، وأنها لن تسمح بزعزعة استقرار سوريا.

وكانت وزارة الخارجية التركية قد قالت إن الغارات انتهكت وحدة الأراضي السورية وسيادتها، ودعت المجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف أكثر حزماً لإنهاء ما وصفته بـ"العدوان الإسرائيلي المتصاعد".

وأصبحت تركيا، التي تمتلك ثاني أكبر جيش في حلف شمال الأطلسي، واحدة من أبرز حلفاء الرئيس أحمد الشرع. وتُدرب أنقرة الجيش السوري، وتساعد في إعادة بناء مؤسسات الدولة وبنيتها التحتية، فضلاً عن تقديم الدعم العسكري والدبلوماسي.

وتتهم تركيا إسرائيل بالسعي إلى تقويض الإدارة السورية الجديدة وزعزعة استقرار البلاد. وكان وزير الخارجية التركي هاكان فيدان قد قال في السادس من أغسطس/آب إن الهجمات الإسرائيلية المتكررة لا تزال تهدد أمن سوريا، مطالباً بممارسة ضغط دولي على إسرائيل لاحترام وحدة الأراضي السورية.

واشنطن: تركيا لم تُحذَّر مسبقاً

وصف المبعوث الأمريكي توم براك الغارات بأنها "تصعيد غير ضروري" لا يسهم في تحقيق الاستقرار الإقليمي، داعياً الأطراف إلى ضبط النفس وتقديم الحوار على مزيد من التحركات العسكرية.

وقال براك إن تركيا لم تتلقَّ تحذيراً مسبقاً بشأن الضربات، وإنها رصدت الطائرات الإسرائيلية وهي تتجه شمالاً نحو أراضيها، ما كان يمكن أن يدفعها بصورة معقولة إلى الاستعداد لرد عسكري محتمل.

وأضاف أن "التصرف بحكمة" حال دون تدهور الوضع، مشيراً إلى أن أولوية واشنطن باتت خفض التوتر وإتاحة المجال أمام مقاربة أكثر تروياً.

وكشف براك أن الولايات المتحدة تعمل على إنشاء آلية لمنع الاحتكاك تضم إسرائيل وتركيا وسوريا، بهدف تفادي سوء الفهم أو المواجهات العرَضية بين الأطراف العسكرية والسياسية.

وأوضح أن واشنطن تسهّل بالفعل تبادل المعلومات والحوار بينها (الأطراف المعنية)، لكن المطلوب هو بناء آلية أكثر قوة وتخصيص موارد أكبر لها، معتبراً أن الاستثمار في قنوات الاتصال أقل كلفة من الاعتماد على القوة العسكرية.

وكانت تركيا وإسرائيل قد أنشأتا العام الماضي قناة اتصال لتجنب وقوع حوادث بين قواتهما في سوريا. إلا أن الغارات الأخيرة أظهرت محدودية الترتيبات القائمة، خصوصاً أن أنقرة لم تُبلَّغ بالهجوم مسبقاً.

ساحة جديدة للتنافس بعد سقوط الأسد

قال وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إن الهجمات الإسرائيلية تفتقر إلى المبررات الأمنية، ودعا إسرائيل إلى إعادة حساباتها، لأنها لا تواجه دمشق وحدها وإنما حلفاء سوريا أيضاً.

وأضاف أن دمشق ستواصل مسارها الدبلوماسي لثني إسرائيل عن هذه السياسة ودفعها إلى وقف هجماتها.

ومنذ الإطاحة بنظام بشار الأسد في أواخر عام 2024، واصلت إسرائيل عملياتها العسكرية في سوريا، واستهدفت خصوصاً مواقع حكومية في جنوب البلاد ووسطها، كما سيطرت على أراضٍ في جنوب غرب سوريا وضربت جزءاً كبيراً من الأسلحة والمعدات الثقيلة التابعة للجيش السوري.

وتقول إسرائيل إنها تنظر بريبة إلى الحكام الجدد في دمشق بسبب جذورهم الإسلامية المسلحة، وإنها لن تقبل وجوداً إسلامياً مسلحاً قرب حدودها، رغم علاقات الرئيس الشرع الوثيقة مع دول غربية.

أما قبل سقوط الأسد، فكانت إسرائيل تقول إن غاراتها المتكررة تهدف إلى تقليص النفوذ الإيراني في سوريا ومنع وصول الأسلحة إلى حزب الله في لبنان.