كيف تعمل إحدى "أقوى الحيل" للسيطرة على التوتر؟

    • Author, جورج ساندمان
  • Published
  • مدة القراءة: 5 دقائق

بعد أن ضربت الزلازل المدمرة مسقط رأسها بلدة "لا غوايرا" في فنزويلا قبل شهرين، وجدت ماريا ميدينا نفسها عاجزة عن تقديم أي مساعدة، وعانت من الأرق.

كانت على بُعد أكثر من 1500 ميل في ولاية فلوريدا، بالولايات المتحدة الأمريكية - حيث تعيش منذ 15 عاماً - وكانت تعاني من قلق شديد على عائلتها وأصدقائها.

ساعدتها تمارين التنفس المربع - يعرف أيضاً بالتنفس الصندوقي - على التغلب على الأرق.

تقول: "في اللحظات التي أشعر فيها بأنه ليس لدي الكثير مما يمكنني فعله، مثل الاستلقاء في السرير ليلًا والتحديق في السقف... أعلم أنه (التنفس المربع) سيساعدني".

تعرفت الشابة البالغة من العمر 31 عاماً على التنفس المربع لأول مرة في عام 2020. كانت تدرس للحصول على درجة الماجستير وتعمل بدوام كامل، وأصبح ضغط الجمع بين الأمرين لا يُطاق مع تفشي جائحة كوفيد-19.

استعانت ماريا ميدينا بمعالجة نفسية علّمتها تقنية التنفس المربع.

يقول ستيوارت ساندمان، مدرب التنفس، إن هذه التقنية تتكون من استنشاق الهواء لمدة أربع ثوان، ثم حبس النفس لمدة أربع ثوان، ثم الزفير لمدة أربع ثوان، ثم حبس النفس لمدة أربع ثوان أخرى قبل استنشاق الهواء مجدداً وتكرار الدورة.

ويوضح: "يمكن أن تتفاوت مدة هذه الثواني، لكن يجب أن تبقى متساوية". ومن هنا جاء اسم هذه التقنية.

يقول ستيوارت إن تقنية التنفس المربع يُفضل استخدامها قبل القيام بأي نشاط مُرهق أو حدث قد يُسبب القلق، مثل الامتحانات أو العروض التقديمية.

لا توجد مدة زمنية محددة لممارسة التنفس المربع. يشعر بعض الأشخاص بآثاره الإيجابية بعد بضع دقائق فقط، بينما يُفضل آخرون ممارسته لمدة تصل إلى 15 دقيقة.

يضيف ستيوارت أن تمارين التنفس نشأت من ممارسات تقليدية مثل اليوغا، وقد استُخدمت في مجالات أخرى مثل فنون الدفاع عن النفس على مدى قرون.

لكن تقنية التنفس المربع أصبحت شائعة في العصر الحديث، لقدرتها على "تركيز الذهن وموازنة الجهاز العصبي".

ويضيف: "من المعروف أن قوات العمليات الخاصة في البحرية الأمريكية تمارس تقنية التنفس المربع، حيث تستخدمها قبل خوض أي مواجهة عدائية".

كما قام ستيوارت بتدريب المنتخب الإنجليزي لكرة القدم على هذه التقنية.

أما ماريا، التي تعمل مديرة برامج في إحدى شركات التقنية بالولايات المتحدة، فتمارسها قبل النوم، أو عند محاولتها العودة إلى النوم بعد الاستيقاظ ليلاً.

حبس النفس الأخير هو الأكثر أهمية

توصلت دراسة حديثة من أمريكا الشمالية، تناولت فعالية تقنية التنفس المربع، إلى أنها قادرة على منع الارتفاعات الكبيرة في معدل ضربات القلب ومؤشرات التوتر الأخرى في الجسم، لدى الأشخاص الذين يواجهون مواقف شديدة الضغط.

أُجريت هذه الدراسة، التي نُشرت في مجلة "علم النفس العصبي والغدد الصماء الشامل" في يونيو/ حزيران، من قِبل أكاديميين من جامعة ولاية تكساس وجامعة تورنتو ميسيسوغا.

تقول الدكتورة هيلين غار، وهي طبيبة (ممارسة) عامة تعالج الأطباء والممرضات الذين يعانون من صعوبات تتعلق بالصحة النفسية: "أوصي الكثير من مرضاي بتقنية التنفس المربع، لأنها من أقوى الأساليب المدعومة بالأدلة للسيطرة على استجابتنا للتوتر وعلى جهازنا العصبي".

وتضيف أن الخطوة الأخيرة من التنفس المربع، وهي حبس النفس بعد الزفير، هي ما تُحدث أكبر تغيير فسيولوجي.

تقول: "ما يحدث داخل أجسامنا خلال حبس النفس الأخير هو احتباس ثاني أكسيد الكربون، وعندما يكتشف دماغنا ارتفاع مستوياته، نشعر بالذعر، ونشعر برغبة ملحة في التنفس".

وتوضح أن حبس النفس الأخير هذا يُدربنا على التعامل بشكل أفضل مع ارتفاع مستويات ثاني أكسيد الكربون في أجسامنا، ويُخفف من شعورنا بالتوتر. فالناس يتنفسون بشكل مختلف عند شعورهم بالتوتر، وهو ما يؤدي إلى تغيرات في مستويات ثاني أكسيد الكربون في أجسامهم.

وتوضح قائلة: "يُدرّبنا التنفس المربع على التأقلم مع تغيرات ثاني أكسيد الكربون في الدم والدماغ، ويساعد في التغلب على مشاعر الذعر".

على عكس ماريا، لا تمارس بريتاني لام التنفس المربع قبل النوم، بل بعد الاستيقاظ.

وتقول لي الشابة البالغة من العمر 28 عاماً من منزلها في كاليفورنيا: "أمارسه كل صباح. في الواقع، مارسته قبل مكالمتك لي مباشرة".

تعرفت بريتاني على التنفس المربع عبر الإنترنت قبل بضع سنوات، عندما كانت تمر بفترة عصيبة في حياتها الشخصية، وكانت تبحث عن طرق للتخفيف من الضغوط التي تواجهها.

يشارك العديد ممن يمارسون التنفس المربع، من جنود سابقين إلى مؤثرين في مجال أسلوب الحياة، نصائح حول كيفية استخدامه في حياتهم. كما ينشر البعض إرشادات مصورة ليسهل على الناس اتباعه خطوة بخطوة.

وتقول بريتاني: "إذا استيقظت وأنت تشعر بالقلق، فهذه أداة رائعة تساعدك على استعادة توازنك النفسي والتخلص من أفكارك المزعجة".

يساعدها ذلك على الشعور بالسيطرة على أفكارها ومشاعرها، بدلاً من تركها تسيطر على يومها.

لقد وجدت هذه التقنية فعالة للغاية، لدرجة أنها تعلّمت تقنيات تنفس أخرى وأدرجتها في عملها كمدربة حياة. حصلت على شهادة في علم النفس وتتدرب لتصبح معالجة نفسية.

تقول: "أمارسه مع عملائي عندما نبدأ اجتماعاتنا، حتى يشعروا بالهدوء أكثر مما كانوا عليه عند وصولهم".

وتضيف: "إذا كنا نتحدث عن مواضيع حساسة عاطفياً، مثل مشاكلهم العاطفية، فإن ذلك يُسهّل عليهم الأمر قليلاً".

تُدرك بريتاني أن البعض قد يشكّك في فعالية تقنيات التنفس في المواقف العصيبة، لكنها تحث الجميع على تجربتها.

تقول: "التنفس ليس حلاً واحداً يناسب الجميع. هناك أنواع عديدة تناسب أي شعور أو ظرف قد تمر به".

وتضيف: "تسعة من كل عشرة أشخاص أعمل معهم يقولون إنهم يشعرون بتحسن كبير بعد ذلك".

تشعر ماريا بالمثل، وقد نصحت العديد من الأصدقاء والزملاء الذين مروا بفترات عصيبة بتقنية التنفس المربع.

لحسن حظها، لم يمت أحد من عائلتها في زلازل فنزويلا التي يُقدر أنها أودت بحياة 6300 شخص على الأقل.

تقول: "لكن صديقتي المقربة فقدت منزلها، وأعرف أشخاصاً فقدوا عائلاتهم وأصدقاءهم".

لا يزال الأرق ينتاب ماريا بين الحين والآخر، لكنها تدرك أن تمارين التنفس المربع تساعدها على تجاوز الفترات التي قد تشعر فيها بالإرهاق.

تقول: "أعتقد أننا ننسى أحياناً أن نتنفس، أن نتنفس حقاً بوعي، ونستهين بالفوائد التي يجلبها ذلك لأجسامنا وعقولنا".