قرش الحوت: هل اقتربنا من أسرار مكان بدء الحياة لأكبر أسماك القرش في العالم؟

سمكة قرش الحوت

صدر الصورة، Jonathan Irish

    • Author, ماثيو بونسفورد
  • Published
  • مدة القراءة: 7 دقائق

كيف يمكن لسمكة قرش بحجم حافلة أن تبقى بعيدة عن أعين البشر؟ لا يزال مكان ولادة أسماك قرش الحوت مجهولاً، لكنّ رصداً ثميناً لمولود حديث يلقي الضوء على أسرار المكان الذي تبدأ فيه حياة هذه الأسماك العملاقة.

خليج صالح، الواقع في جزيرة سومباوا الإندونيسية، شبه مغلق بشكل مثالي، تغذّيه قناة ضيقة تجلب المياه الباردة والغنية من أعماق المحيط. وبالنسبة للمجتمع المحلي في الجزيرة، يعني هذا التدفق الغني بالمغذيات خليجاً مليئاً بأسماك الماكريل (الإسقمري) والحبار، تصطاد من هياكل عائمة تُعرف باسم الباغان.

يصطاد السكان المحليون ليلاً، مسلطين أضواء كاشفة على المياه لجذب الأسماك إلى شباك مزودة بالطُعم تحت منصات الباغان، لكن في السادس من سبتمبر/أيلول 2024، أبلغوا العلماء المحليين أنهم لم يكونوا وحدهم على سطح الماء.

فبعد الساعة 04:30 بقليل، التقطوا مقطعاً مصوراً لقرش حوت يستلقي داخل الشبكة، فاتحاً فمه، بجسم رمادي فحمي تزينه بقع بيضاء متلألئة تشبه السماء ليلاً.

ويُعد قرش الحوت أكبر أنواع الأسماك في العالم. لكن هذا القرش الصغير، الذي يبلغ طوله نحو 5 أقدام (1.5 متر)، لم يكن يحطم أي أرقام قياسية.

فقد قُدّر عمره بنحو أربعة أشهر فقط، وكان طوله يعادل نحو عُشر طول قرش حوت بالغ مكتمل النمو.

وبالنسبة لعالم الأحياء البحرية، موشاماد إقبال هيرواتا بوترا، كان صغر حجمه هو ما جعل الاكتشاف أكثر إثارة، إذ كان أول مولود حديث لقرش الحوت يُكتشف في إندونيسيا، وواحداً من بضع عشرات فقط وثّقتها العلوم على الإطلاق.

وعلى الرغم من حجم هذه الكائنات الهائل وانتشارها في المياه الدافئة حول العالم، لم يشاهد أحدٌ قَطُّ قرش حوت يتزاوج أو يلد. لكن ظهور هذا الصغير يمثل أحد أفضل الأدلة حتى الآن على أن مكان الولادة، صعب المنال، قد يكون قريباً.

يُعد قرش حوت حديث الولادة هذا واحداً من عدد قليل جداً شوهد على الإطلاق، والأول الذي يُرصد في المياه الإندونيسية.

صدر الصورة، Diaz Adiyoga/ Konservasi Indonesia

التعليق على الصورة، يُعد قرش الحوت حديث الولادة هذا واحداً من عدد قليل جداً شوهد على الإطلاق، والأول الذي يُرصد في المياه الإندونيسية
تخطى البودكاست وواصل القراءة
يستحق الانتباه

شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك

الحلقات

البودكاست نهاية

وبوزن قد يعادل وزن ستة أفيال، يُعد قرش الحوت البالغ أكبر حيوان ذي دم بارد، أو متغير الحرارة، على كوكب الأرض.

ونظراً لأنها كائنات منفردة تقضي جزءاً كبيراً من حياتها متنقلة عبر المحيطات المفتوحة، لم تحظَ قروش الحوت بدراسة علمية واسعة حتى أواخر القرن العشرين.

لكن بحلول تسعينيات القرن الماضي، تبيّن أنها تتجمع في مجموعات موسمية - تضم أحياناً بضع مئات من الأفراد- في مواقع ساحلية محددة، مثل السواحل المقابلة لشبه جزيرة يوكاتان في المكسيك.

وأتاحت هذه التجمعات المنتظمة للعلماء تثبيت أجهزة تتبّع كشفت عن رحلاتها الملحمية، موضحة كيف يمكن لبعض من أفرادها أن تقوم بهجرات تمتد عبر العالم. فقد سبحت إحدى الإناث مسافة هائلة بلغت 7,000 كيلومتر (5,000 ميل). ومنذ ذلك الحين أصبحت هذه الأسماك من أكثر الكائنات البحرية الضخمة خضوعاً للدراسة، وفقاً للباحث العلمي في مؤسسة أبحاث أسماك القرش، بن دي أنطونيو.

ويقول دي أنطونيو إن أسماك قرش الحوت الضخمة والغامضة تثير "شعوراً بالدهشة". فقد جابت هذه الكائنات العملاقة محيطات الأرض على مدار عشرات الملايين من السنوات.

وربما يظل المولود الذي ظهر في خليج صالح يجوب البحار حتى عام 2150، إذا وُجدت وسيلة للتعامل مع التهديدات المتزايدة التي تواجهه، بما في ذلك تغير المناخ والصيد وحركة الملاحة البحرية.

ويقول هيرواتا بوترا، خبير في الحياة البرية البحرية لدى منظمة كونسرفاسي إندونيسيا غير الربحية ومقرها جاكرتا، إن اكتشاف مولود حديث يمنحنا "لمحة نادرة" عن مرحلة مبكرة من حياةٍ نادراً ما نراها.

وتنجذب أسماك قرش الحوت إلى خليج صالح بسبب وفرة الغذاء نفسها التي يعتمد عليها صيادو الباغان.

ويقول هيرواتا بوترا: "هناك الكثير من الكريل (كائنات بحرية صغيرة) بسبب وجود منظومة من أشجار المانغروف تحيط بالخليج".

وبالنسبة لقرش الحوت اليافع، فإن هذا المكان مثالي للنمو وزيادة الوزن بأقل جهد، كما يوفر حماية من مفترسات مثل القرش الأزرق الذي يستطيع بسهولة افتراس صغير قرش الحوت.

يمتلك كل قرش حوت نمطاً فريداً من النقاط يشبه تجمعات النجوم في السماء، ويمكن استخدام تقنية رسم خرائط النجوم التابعة لوكالة ناسا للتعرّف إلى هويته.

صدر الصورة، Noemi Merz/ Ocean Image Bank

التعليق على الصورة، يمتلك كل قرش حوت نمطاً فريداً من النقاط يشبه تجمعات النجوم في السماء، ويمكن استخدام تقنية رسم خرائط النجوم التابعة لوكالة ناسا للتعرّف إلى هويته

ويَشتبه هيرواتا بوترا في أن هذا الخليج المحميّ قد يكون منطقة ولادة وحاضنة تُستخدم خلال الأسابيع الأولى من الحياة. لكننا لا نعرف بعدُ ما إذا كان قرش الحوت قد بدأ حياته هنا أم أنه، وهو الاحتمال الأكثر ترجيحاً بحسب دي أنطونيو، "جاء من مكان آخر واختار خليج صالح".

"ميغا ماما" واحدة وأدلة منقطة أخرى

يقول دي أنطونيو إن العثور على منطقة حاضنة يُعد "اكتشافاً أساسياً"، مشيداً بالتعاون المجتمعي الذي بناه علماء إندونيسيون "مذهلون" كهيرواتا بوترا مع صيادين محليين، كان كثير منهم يخشون أسماك قرش الحوت أو يلاحقونها في السابق.

ويضيف أن هذه العلاقات والجهود الرامية إلى رسم خريطة لمَواطن طبيعية مهمة قد تكون حيوية لعكس مسار تراجع أعدادها.

إذ انخفضت أعداد أسماك قرش الحوت في العالم بأكثر من النصف منذ ثمانينيات القرن الماضي، وهي تُصنف الآن ضمن الأنواع المهددة بالانقراض. واليوم، يسابق علماء الأحياء البحرية الزمن في مختلف أنحاء الكوكب، للعثور على هذه المواقع الحاسمة في دورة حياة قرش الحوت المهدد وحمايتها.

وكان أفضل دليل لدينا في البحث عن مكان ولادة قرش الحوت قد عُثر عليه عام 1995 في تايوان، حيث فحص علماء الأحياء البحرية عينة طولها 10 أمتار (33 قدماً) اصطادها صيادون محليون بالحراب. وقد كشفت هذه الأنثى، التي أُطلق عليها اسم "ميغا ماما" أي الأم العملاقة، الكثير مما نعرفه اليوم عن تكاثر أسماك قرش الحوت.

واحتوى رحماها على 304 من البيضات والأجنة المخصبة، ما أظهر أن أسماك قرش الحوت تتكاثر بالبيوض الولودة، أي أنها تفقس البيوض داخل أجسامها وتلد صغاراً حية قادرة على السباحة بحرّية.

وكان هذا أكبر عدد من الصغار يُسجل على الإطلاق لدى أي نوع من أسماك القرش.

عندما يبلغ هذا القرش الحوتي، البالغ من العمر أربعة أشهر، كامل نموه، قد يصبح طوله أكبر بعشرة أضعاف مما هو عليه الآن.

صدر الصورة، Abdy Hasan/ Konservasi Indonesia

التعليق على الصورة، عندما يبلغ قرش الحوت، الذي هو بعمر أربعة أشهر حالياً، كامل نموه، قد يصبح طوله أكبر بعشرة أضعاف مما هو عليه الآن

هذا وأكد تحليل جينيّ أُجري عام 2010 أن جميع هذه الصغار، التي كانت في مراحل نمو مختلفة تعود إلى أب واحد، ما يشكل دليلاً قوياً على أن الأم خزّنت الحيوانات المنوية وخصبت البيوض على مدى فترة زمنية.

وبقي بعضها داخل أغلفة البيوض، بينما كان 15 منها كبيراً بما يكفي للبقاء على قيد الحياة، بما في ذلك صغيران أُبقيا على قيد الحياة في أحواض مائية في اليابان وتايوان.

ولم يوثّق العلم سوى 33 مولوداً حديثاً من أسماك قرش الحوت، وظهرت جميعها في المناطق الاستوائية، من المحيط الأطلسي إلى بحر العرب، ومن باكستان إلى جزر غالاباغوس.

وفي ورقة بحثية حديثة، حاولت فريا وومرسلي، الباحثة العلمية في جمعية الأحياء البحرية، العثور على نمط من خلال مقارنة هذه المواقع بمناطق انخفاض الأكسجين المعروفة باسم مناطق الحد الأدنى الدائمة للأكسجين.

وتقول وومرسلي إن صغار أسماك قرش الحوت حديثة الولادة تُرصد في هذه المناطق بمعدل يفوق ما يمكن توقّعه بالصدفة.

وتضيف: "في الحقيقة أن مشاهدات هذه الصغار نادرة للغاية، لكنها عندما تُرى تميل إلى مشاركة ظروف محيطية متشابهة، تدفع إلى التساؤل: هل هذه مجرد مصادفة أم أن هناك نوعاً من الإستراتيجية؟".

وتستكشف الدراسة احتمالاً مثيراً مفاده أن إناث قرش الحوت قد تختار هذه المناطق لتوفر نوعاً من الستار المحيطي، فتخفي صغارها في أماكن لا تذهب إليها الحيوانات المفترسة.

ورغم أن المحيط المفتوح قد يبدو لنا كتلة مائية واحدة غير منقسمة، فإن الكائنات التي تعيش في الأعماق، مثل قرش الحوت، تتنقل بين طبقات محيطية متنوعة، من المياه السطحية النشطة إلى مناطق في الأعماق تكاد تخلو تماماً من الأكسجين، كما توضح وومرسلي.

وتتجنب كثير من المفترِسات في المحيط المفتوح مثل القرش الأزرق وسمك المرلين، هذه المناطق الفقيرة بالأكسجين، ما يجعلها ملاذاً محتملاً لصغار أسماك قرش الحوت، مع ميزة إضافية تتمثل في أن العوالق غالباً ما تتجمع عند حدود الطبقات منخفضة الأكسجين، موفرةً مأدبة غذائية مبكرة للصغار.

ورغم أن كثيراً من الألغاز لا تزال تحيط بالحياة التكاثرية لأسماك قرش الحوت، فإننا نقترب أكثر من الإجابات، وفقاً لوومرسلي، التي تستعد للسفر إلى المكسيك لتركيب أجهزة تتبع مزودة بكاميرات من شأنها أن تلقي مزيداً من الضوء على هذه المسألة.

وتقول: "أعتقد أن الأمر مسألة وقت فقط قبل أن يعثر شخص ما على القرش المناسب، ويثبّت عليه الجهاز المناسب، وتتوافق الظروف، فنحصل على تلك اللقطات المذهلة. عندما أقول إنها 'مسألة وقت'، فأنا لا أعرف كم سيستغرق ذلك".

قد تعمل المناطق منخفضة الأكسجين كـ "أستار محيطية" يمكن لصغار أسماك قرش الحوت حديثة الولادة أن تختبئ فيها من الحيوانات المفترسة.

صدر الصورة، Jonathan Irish

التعليق على الصورة، قد تعمل المناطق منخفضة الأكسجين كـ"أستار محيطية" يمكن لصغار أسماك قرش الحوت حديثة الولادة أن تختبئ فيها من المفترِسات

وخلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، كانت تُقتل مئات من أسماك قرش الحوت سنوياً من أجل اللحوم والزعانف، بما في ذلك "ميغا ماما" التي اصطيدت بالحراب ضمن عملية صيد "قانونية" في تايوان.

وعلى الرغم من إدراج هذا النوع ضمن الأنواع المعرّضة لخطر الانقراض عام 2000، استمر صيده حتى خلال هذا القرن، ولا تزال ترد تقارير عن عمليات صيد "غير قانونية".

واليوم، تواجه هذه الكائنات العملاقة تهديدات متنوعة خلال رحلاتها عبر محيطات العالم.

ففي خليج صالح، واجهت أسماك قرش الحوت اضطهاداً من قبل مجتمعات الصيد التي كانت تخشى حجمها الهائل وتنظر إليها كمنافس على الصيد، وفقاً لهيرواتا بوترا. لكنه يضيف أن "الثقافة آخذة في التغير"، إذ أصبحت أسماك قرش الحوت اليوم من أبرز عوامل الجذب في قطاع السياحة البيئية التي تدر ملايين الدولارات، فيما يعمل الجيل الأصغر بسرعة على تطوير أنشطة الغوص السطحي ومشاهدة الحياة البحرية حول الباغان.

وتهدف منظمة كونسرفاسي إندونيسيا إلى إنشاء منطقة بحرية محمية في شمال الخليج، ستكون أول محمية تُنشأ في البلد الآسيوي خصيصاً لحماية أسماك قرش الحوت.

ويقول هيرواتا بوترا إن التعرف على هذه الملاذات الأساسية وحمايتها يمكن أن يُحدث فرقاً كبيراً.

فمن بين 25 قرش حوت جرى تزويدها بأجهزة تتبع في خليج صالح، يقضي المعظم غالبية الوقت داخل الخليج ومحيطه، ولا تغادر هذه الكائنات إلا بين الحين والآخر قبل العودة للاستفادة من الإمداد الغذائي المتوافر طوال العام.

ويضيف هيرواتا بوترا: "هذه المنطقة تشبه الوطن بالنسبة لأسماك قرش الحوت. إذا استطعنا حماية هذا الموطن الحيوي، فبإمكاننا المساعدة في تعافي أعدادها على مستوى المنطقة".